آخر التطورات
عد الى الخلف
العراق: تصاعد القيود على الفضاء المدني وحرية الصحافة والتجمع السلمي
التحديثات العامة
يشهد واقع الفضاء المدني في العراق حالة من الهشاشة والانكماش المتواصل في الحيز المتاح للناشطين والمؤسسات الإعلامية ومنظمات المجتمع المدني، في ظل الاعتماد على منظومة التشريعات الجزائية الموروثة من الحقبة الاستبدادية والتي تتضمن صياغات عامة في التجريم، تتيح سلطات تقديرية واسعة في التطبيق وإمكانية الشمول بأحكامها لمجرد النقد السياسي، مما يجعل الناشطين والفاعلين وأصحاب الرأي في قلق مستمر وخوف من الملاحقة القضائية أو الحملات الإلكترونية التي تقودها صفحات وهمية وجيوش إلكترونية تستهدفهم لأبسط اختلاف في الرأي بقصد اغتيالهم معنوياً.
حرية تكوين الجمعيات والمنظمات غير الحكومية
لا تزال البيئة ضاغطة على المنظمات غير الحكومية والمدافعين عن حقوق الإنسان، حيث يواجهون تقييدات مستمرة تحد من نشاطهم السلمي في فضاء التعبير الرقمي، من خلال الدعاوى وحملات التشهير، وهذا يؤكد أن حرية الرأي على الإنترنت باتت في مقدمة الميادين المستهدفة، وأن تهم الإساءة والتشهير تمثل غطاءً قانونياً مرناً لملاحقة الناقدين بمعزل عن حقيقة كون الفعل يشكل جريمة جنائية من عدمها، خصوصاً مع شيوع ظاهرة رفع الدعاوى بشكل مستمر من قبل شخصيات محسوبة على الإطار التنسيقي الحاكم. كما سجل المرصد العراقي لحقوق الإنسان في تقريره النصف سنوي للعام 2026، استهداف المدافعات عن حقوق الإنسان والنساء عموماً بشكل مستمر لحد انتهاك الحرية الشخصية، وبعدة صور من الانتهاكات سواء عبر العنف المباشر أو عبر تقاعس الدولة عن توفير الحماية والمحاسبة، في وقت تظهر فيه المؤشرات الرسمية ارتفاعاً حاداً في معدلات العنف الأسري.
ولا تزال المنظمات غير الحكومية تبدي اعتراضها على قرار شمولها بالتحاسب الضريبي وفرض ضريبة الاستقطاع المباشر، دون الالتفات إلى كون عملية تمويل المنظمات عادة ما تكون عن طريق التبرعات والمنح واشتراكات الأعضاء، وهي لا تعمل في مجال المشاريع الاقتصادية أو الأعمال التجارية حتى تخضع للتحاسب الضريبي، باعتبارها تجمعات غير ربحية، مستقلة عن الحكومة، ينشئها أفراد لخدمة المصلحة العامة وحماية الحقوق، ولا تستهدف الربح، مما دفع المنظمات إلى اعتبار القرار جزءاً من حملة التضييق على النشاط المدني.
حرية التعبير
لا يكاد يخلو شهر دون تعرض العاملين في مجال الصحافة والإعلام إلى انتهاك لحقوقهم في الوصول إلى الحقيقة أو نقلها وتحليلها، سواء من خلال الأحكام القضائية أو الاعتداءات البدنية وتقييد حرية التنقل أو إيقاف العمل، وظهور حالة جديدة تمثلت في منع الشخصيات الإعلامية وأصحاب الرأي من الظهور الإعلامي بناءً على ما ينشرونه في صفحاتهم الشخصية، وهو ما يتعارض مع حدود صلاحيات الهيأة بموجب لوائح البث الإعلامي حسب تقرير جمعية الدفاع عن حرية الصحافة وكما يأتي:
حالات الحكم القضائي. صدر حكم قضائي غيابي بحق مقدم البرامج والصحفي قحطان عدنان بتاريخ 9 يونيو/حزيران 2026، يتضمن الحبس لمدة سنة استناداً إلى أحكام قانون العقوبات المادة (433/ جريمة قذف)، وقد جاء القرار بناءً على شكوى قضائية من القيادي في ائتلاف الإعمار والتنمية عدنان الدنبوس.
إيقاف العمل أو منع البرامج. صدر قرار عن هيئة الإعلام والاتصالات بتاريخ 28 يونيو/حزيران 2026 بمنع ظهور مقدم البرامج والصحفي أحمد ملا طلال لمدة ثلاثة أشهر، على خلفية نشره منشوراً على حسابه الشخصي في منصة (فيسبوك/ميتا) حول مشاركة المنتخب العراقي في كأس العالم 2026، اعتبرت فيه الهيئة أن المنشور تضمن إساءة إلى الدولة العراقية، بوصفه إياها بـ"الدولة الفاشلة"، وعدته مخالفاً للائحة قواعد البث الإعلامي. وأيد القضاء قرار المنع بحق (ملا طلال) بعد اعتراضه أمام مجلس الاستماع في الهيأة، مما دفع الإعلامي إلى نشر تصريحات للسياسيين ولرئيس هيأة الإعلام والاتصالات بليغ أبو كلل الذي أصدر القرار، وهي تتضمن ألفاظاً لا تختلف كثيراً عن منشوره، متهماً الهيأة بازدواجية المعايير وعدم الحيادية.
حالات الاعتداء البدني ومنع التغطية الإعلامية. تعرض فريق شبكة (ئيستا الإعلامية) بتاريخ 9 يونيو/حزيران 2026 إلى اعتداء من قبل القوة الأمنية المكلفة بحماية مبنى مجلس وزراء إقليم كردستان، ونشرت الشبكة مقطع فيديو تضمن قيام أفراد الحماية بالاعتداء على فريق القناة المكون من المراسل (ديار حسين)، والمصور (وربين علي)، خلال تغطية احتجاجات الناجين من حملات الأنفال أمام المجلس، وكانت حجة القوة الأمنية هو عدم إمكانية التصوير أمام مبنى مجلس وزراء إقليم كردستان.
إخلاء مكتب قناة NRT الفضائية. قامت القوات الأمنية في (إقليم كردستان/أربيل) بإخلاء مكتب القناة وصادرت أجهزتها في 20 يوليو/تموز 2026، بقرار قضائي رسمي تحت غطاء (دعوى تخلف عن دفع الإيجار)، حيث سبق وأن صدر قرار في شهر شباط بمنع القناة من العمل في الإقليم بحجة مساسها بالرموز الوطنية حسب تصريح المحافظ، فيما تعتبره القناة والأوساط الحقوقية موضوع اقتحام القناة وإخلاء المكتب استغلالاً قانونياً لتضييق الخناق على نشاطها الإعلامي، خصوصاً وأن الدعوى أقيمت يوم 16/7/2026 وقرار الإخلاء نفذ يوم 20/7/2026، حيث اعتبرت السرعة في الإجراءات مؤشراً على استغلال النفوذ السياسي ضد القناة.
التعرض لمراسلي قناة (كردسات الإخبارية). تعرض مراسلو قناة (كردسات الإخبارية) أثناء عملهم في إعداد تقرير حول مركز غسيل الكلى في أربيل، بعد ورود شكاوى عدد من المواطنين والمرضى في المركز من سوء حالة أجهزة غسيل الكلى، وطالبوا بنقل أصواتهم إلى وسائل الإعلام. حيث رفضت المديرية العامة للصحة في أربيل، ومدير المركز، ومديرية الإعلام الصحي في أربيل التعاون مع الفريق ومنعوه من زيارة المركز. كما تعرض الصحفي (بريار محمد وفريق العمل الإعلامي)، أثناء قيامهم بتغطية مباشرة خارج المركز، للتهديدات والإهانات والإساءة اللفظية ومحاولات عرقلة عملهم المهني، حسب البيان الذي أصدرته منظمة المراسلين من أجل الحقوق والتنمية العاملة في الإقليم.
حرية التجمع السلمي
لا تزال آليات التعامل مع التظاهرات الشعبية والمهنية غير محكومة بإطار قانوني واضح في ظل سريان أمر سلطة الائتلاف المنظم (لحرية التجمع والتظاهرات) والذي أصدره الحاكم المدني بول بريمر العام 2003، حيث فشلت المنظومة التشريعية في وضع قواعد قانونية تتلاءم مع التحول الديمقراطي طيلة عقدين من الزمن، إذ تكرر إرسال نفس النسخة لمشروع قانون التظاهرات منذ العام 2010، والتي واجهت رفضاً شعبياً وحقوقياً في كل مرة يعاد طرحها بسبب تقييدها للحقوق، مما أبقى الإطار القانوني محكوماً بنصوص وضعت فترة وجود القوات العسكرية الأمريكية، لذلك نجد أن في كل مرة تفشل القوات الأمنية في التعامل المحترف مع التظاهرات، إذ لا يتم فضها إلا باستخدام العنف مما يؤدي لوقوع إصابات بين المتظاهرين المدنيين، وقد وقعت عدة تظاهرات ولأسباب مختلفة منها:
بتاريخ 27 يونيو/حزيران 2026، شنت القوات الأمنية في مدينة الكوت حملة مداهمات واعتقالات واسعة استهدفت النشطاء والمتظاهرين المشاركين في الاحتجاجات الشعبية المطالبة بتحسين الخدمة الكهربائية، فيما منعت القوات الأمنية في مدخل العاصمة دخول متظاهري بابل للاحتجاج وسط بغداد، حيث كانوا في طريقهم للتظاهر أمام المنطقة الخضراء للمطالبة بتوفير الكهرباء. وقد تم توثيق حصول إصابات وحالات تفريق قسري باستخدام القوة، حسب بيان المرصد العراقي لحقوق الإنسان. كما تعرض النشطاء والمتظاهرون لحملات تشويه وتهديد إلكترونية وملاحقات ميدانية، مما اضطر بعضهم إلى ترك منازلهم والنزوح الداخلي تجنباً للاعتقال، حسب تصريح رئيس مجلس الحقوق والحريات (النائب السابق سجاد سالم).
قامت النساء المتضررات من تعديل قانون الأحوال الشخصية بتظاهرتين، واحدة في ساحة التحرير والثانية أمام مجلس القضاء الأعلى، للمطالبة بمنع الأثر الرجعي لتطبيق قانون الأحوال الجعفري على حالات الطلاق التي حصلت قبل تنفيذه والإبقاء على حضانة الأطفال لدى الأم. كما واجهت المتظاهرات تحديات متزايدة مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، حيث تعرضت إحدى المتظاهرات التي كشفت عن وجهها للإعلام إلى حملة إلكترونية تم خلالها نشر مقاطع مفبركة ولا أخلاقية على مواقع التواصل الاجتماعي.