آخر التطورات
عد الى الخلف
اليمن: الحريات المدنية تحت الضغط في مناطق السيطرة المنقسمة
أولاً: حرية تكوين الجمعيات (العمل المنظم)
في المناطق الخاضعة لسيطرة جماعة "أنصار الله" (الحوثيين)، لا تزال قضية احتجاز الموظفين الأمميين والعاملين في المنظمات الدولية تتصدر قائمة الانتهاكات الأكثر خطورة. ففي يونيو 2026، أكدت الأمم المتحدة استمرار احتجاز جماعة الحوثيين لـ 73 موظفاً أممياً، بالإضافة إلى عشرات العاملين في منظمات المجتمع المدني. ويأتي هذا النمط من الاحتجاز، المستمر منذ مايو 2024، في سياق يُنظر إليه على نطاق واسع من قبل الأمم المتحدة وعدد من المنظمات الدولية باعتباره وسيلة للضغط السياسي على العمليات الإنسانية، مما أدى إلى عرقلة مباشرة للبرامج الإغاثية في ظل تفاقم أزمة الغذاء في اليمن.
وبالتوازي مع ذلك، تواصل السلطات في صنعاء فرض قيود مؤسسية صارمة من خلال الهيئة الوطنية لإدارة وتنسيق الشؤون الإنسانية (SCMCHA)، حيث تفرض على المنظمات الحصول على تراخيص للعمل مرتبطة بموافقات أمنية مسبقة. كما تمارس الهيئة رقابة مشددة على ميزانيات المنظمات وسياسات التوظيف، إلى جانب اللجوء إلى تجميد أصول المنظمات التي ترفض الامتثال لتوجهاتها السياسية والأمنية.
أما في المحافظات الجنوبية الخاضعة لسيطرة الحكومة المعترف بها دولياً والمجلس الانتقالي الجنوبي، فتواجه منظمات المجتمع المدني تحديات مركبة مماثلة. إذ تتعرض المنظمات الحقوقية لضغوط من أطراف فاعلة غير حكومية، في حين أدى تداخل الصلاحيات بين الأجهزة الأمنية والوزارات الحكومية إلى حالة من التخبط الإداري. وقد أسهمت هذه الممارسات في إطالة إجراءات منح التراخيص وزيادة القيود المفروضة على المنظمات المنتقدة لأداء الحكومة، مما أدى إلى مزيد من تقييد مساحة العمل المدني المستقل.
ثانياً: حرية التعبير (الرأي والنشاط الرقمي)
في ظل هذا السياق الأوسع من تصاعد القيود على التعبير العام، واصلت السلطات في المناطق الخاضعة لسيطرة جماعة "أنصار الله" (الحوثيين) استدعاء وتوقيف المدونين والنشطاء الذين ينتقدون تدهور الأوضاع المعيشية وتأخر صرف المرتبات، تحت ذريعة الإضرار بالأمن القومي. كما استمرت مراكز الاحتجاز الرسمية وغير الرسمية في استقبال صحفيين وناشطين يتم توقيفهم تعسفياً.
وبالإضافة إلى القيود المفروضة من خلال ممارسات الاحتجاز الرسمية وغير الرسمية، أدت الهجمات المباشرة ضد العاملين في المجال الإعلامي إلى تصاعد المخاوف بشأن سلامة الصحفيين. ففي 24 يونيو 2026، اغتيل الصحفي محمد عيضة، مراسل قناتي العربية والحدث، في مدينة المكلا شرق اليمن، إثر تفجير استهدف سيارته. وبحسب المصادر الأمنية، زُرعت عبوة ناسفة تحت مقعد السائق، مما أدى إلى احتراق السيارة بشكل كامل. وجاء الهجوم بعد أسابيع من تلقي الصحفي تهديدات مباشرة، مما يعكس المخاطر الأمنية الشديدة التي يواجهها العاملون في المجال الإعلامي في اليمن.
وفي 25 يونيو 2026، شدد المبعوث الأممي إلى اليمن، هانس غروندبرغ، على أن استهداف الصحفيين والفاعلين في المجتمع المدني يقوض أسس الحياة المدنية، داعياً كافة الأطراف إلى ضمان بيئة آمنة للعمل الإعلامي والحقوقي، وإنهاء حالة الإفلات من العقاب في هذه الجرائم.
كما سُجلت مخاوف مماثلة بشأن حماية الصحفيين والفاعلين المدنيين في مناطق أخرى من اليمن، حيث واصلت الجهات المسلحة والضغوط المرتبطة بالأوضاع الأمنية التأثير على المشاركة المدنية والعمل المستقل. ففي 28 يونيو 2026، أصدرت نقابة الصحفيين اليمنيين بياناً عقب تلقيها بلاغات متعددة من صحفيين أفادوا بأن مسلحين مجهولين اختطفوا العامل الإعلامي حمود هزاع من فعالية عامة في مأرب عُرفت باسم "التجمع الوطني". ووفقاً لما أوردته وسائل إعلام محلية، نُقل إلى مكان مجهول، مما أثار مخاوف بشأن سلامته وتصاعد المخاطر التي يواجهها الصحفيون والفاعلون المدنيون العاملون في اليمن.
وإلى جانب حالات التهديدات الجسدية والقيود المفروضة على حرية تنقل الصحفيين، استمر الترهيب والضغط من خلال التهديدات المباشرة في خلق بيئة معادية للعمل الإعلامي. ففي 6 يونيو 2026، أعلنت نقابة الصحفيين اليمنيين تلقيها شكوى من الصحفي محمد عمر بلهيمان، مراسل قناة الإخبارية السعودية في المكلا، بشأن تهديدات وضغوط تعرض لها عبر اتصال هاتفي على خلفية عمله الصحفي وتغطيته للشؤون العامة. وأدانت النقابة أي تهديد أو ترهيب يستهدف الصحفيين بسبب أنشطتهم المهنية، معتبرةً أن هذه الممارسات تشكل انتهاكاً لحرية الصحافة وحرية التعبير.
ثالثاً: حرية التجمع السلمي
في مختلف مناطق اليمن، واصلت السلطات الأمنية الاعتماد على الاعتبارات المتعلقة بالأمن العام ومتطلبات الحصول على التصاريح الإدارية كذرائع للحد من الحراك المدني. ففي 30 يونيو 2026، أفادت تقارير بأن قوات الأمن قامت بتفريق احتجاجات وتجمعات سلمية تطالب بحقوق اقتصادية وحقوق عامة، بحجة عدم الحصول على موافقات أمنية مسبقة. وفي الوقت نفسه، شهدت الفترة نفسها منتديات ومبادرات عامة نظمها فاعلون في المجالين الإعلامي والمدني، بما في ذلك أنشطة نظمها مرصد الإعلام اليمني "صدى"، بما يسلط الضوء على استمرار المخاوف بشأن القيود المفروضة على التجمع العام والحريات المدنية.
وفي المحافظات الجنوبية، لوحظت أنماط مماثلة، حيث تزايد اعتماد السلطات على الإجراءات الإدارية والأمنية لتقييد التحركات العمالية والمجتمعية. ففي مناطق من بينها عدن وشبوة، استندت لجان أمنية محلية إلى مبررات تتعلق بـ"التجمعات غير المرخصة" ومخاوف الأمن العام لمنع أو تفريق تجمعات للمعلمين وموظفي القطاع العام، كانت تطالب بتعديل الرواتب وتحسين ظروف العمل والوصول إلى الخدمات الأساسية. وفي عدن، بتاريخ 10 يونيو 2026، خرج سكان في احتجاجات على خلفية تدهور الأوضاع المعيشية، والانقطاعات الطويلة للتيار الكهربائي، وتدهور الخدمات العامة. وتجمع المحتجون في عدد من مناطق المدينة، بما في ذلك كريتر والمعلا، للتعبير عن استيائهم من تردي الخدمات والظروف الاقتصادية الصعبة. وانتشرت قوات الأمن خلال الاحتجاجات، بما يعكس استمرار الاعتماد على الإجراءات الأمنية في التعامل مع أشكال التعبير العام عن الاستياء الاجتماعي والاقتصادي.
وبالمثل، في محافظة أبين، تعرضت احتجاجات عامة في مودية تندد بتدهور الخدمات الأساسية وترفض الوصاية الأجنبية، وفقاً للتقارير، لقيود وتدخلات أمنية. وفي المناطق الخاضعة لسيطرة جماعة "أنصار الله" (الحوثيين)، ظلت التجمعات العامة التي تتناول المظالم الاقتصادية خاضعة لرقابة أمنية مشددة. وواصلت السلطات فرض إجراءات ترخيص تقييدية من خلال الأجهزة الأمنية، مما حد من التجمعات المرتبطة بتأخر صرف المرتبات والمطالب العمالية وتدهور الأوضاع المعيشية، في حين جرى التعامل مع هذه الاحتجاجات باعتبارها تحديات للنظام العام وأمن الدولة. وعموماً، أظهر الرصد استمرار الاعتماد على اعتبارات الأمن العام ومتطلبات الحصول على التصاريح الإدارية لتقييد التجمعات العامة، بما يحول هذه الإجراءات تدريجياً من متطلبات تنظيمية إلى قيود عملية تحد من ممارسة الحق في التجمع السلمي المكفول بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان.