آخر التطورات
عد الى الخلف
موقف شبكة المنظمات العربية غير الحكومية للتنمية بشأن قانون الإعلام الجديد في لبنان
موقف شبكة المنظمات العربية غير الحكومية للتنمية بشأن قانون الإعلام الجديد في لبنان
خطوة إصلاحية طال انتظارها
أقرّ مجلس النواب اللبناني قانون الإعلام الجديد بعد مسار تشريعي طويل امتد لسنوات، في خطوة طال انتظارها لتحديث الإطار القانوني الناظم للإعلام في لبنان، في ظل التحولات الكبيرة التي شهدها القطاع، ولا سيما توسّع الإعلام الإلكتروني ومنصات التواصل وتغير طبيعة العمل الصحافي.
يمثل القانون الجديد تقدماً مهماً مقارنة بالتشريعات السابقة، خصوصاً لجهة الحد من العقوبات السالبة للحرية والتوقيف الاحتياطي في قضايا النشر، وتعزيز حماية الصحافيين ومصادرهم، وتنظيم الإعلام الإلكتروني، وإقرار حق الرد والتصحيح، وتعزيز الشفافية في ملكية المؤسسات الإعلامية وتمويلها، إضافة إلى إنشاء هيئة وطنية للإعلام.
حرية الرأي والتعبير هي القاعدة الأساسية
إلا أن أهمية هذه الإصلاحات لا تلغي بعض الثغرات التي تستدعي المعالجة، خصوصاً أن قانون الإعلام يفترض أن ينطلق من قاعدة أساسية هي أن حرية الرأي والتعبير حق، وأن تقييدها هو الاستثناء الذي يجب أن يكون محدداً بدقة ووفق معايير الضرورة والتناسب.
«فالغاية من قانون إعلام حديث ليست حماية الإعلام وحده، بل حماية حق المجتمع في المعرفة، وحق المواطن في التعبير، وحق الصحافي في ممارسة دوره الرقابي من دون خوف.»
ملاحظات حول المادة 104
وتبرز في هذا السياق المادة 104، ولا سيما الفقرة (ب) منها المتعلقة بتجريم كل من تعمد اختلاق أضاليل ونشر أخبار كاذبة ومؤذية. فهذه الفقرة، تضرب جوهر الإصلاحات المقترحة وتكاد تلغيها، ذلك أن الأخبار الكاذبة تشكل في معظم الأحيان صوراً من صور الذم، ما يعيد فتح الباب أمام التجريم والعقوبات السالبة للحرية في قضايا النشر رغم المبدأ العام الذي أقرّه القانون بالحد منها. لذلك، تبرز ضرورة إلغاء هذه الفقرة.
التناقض بين قانون الإعلام وقانون العقوبات
كما تستدعي المادة 105 معالجة، ولا سيما فقرتاها الأولى والثانية اللتان استثنتا من نطاق قانون الإعلام النصوص الجزائية المتعلقة بالقدح والذم والتحقير الواردة في قانون العقوبات، وتحديداً النبذة الرابعة (المواد 385 إلى 389) المتعلقة بالقدح والذم، والمادتين 292 و293 المتعلقتين بتحقير رئيس دولة أجنبية. وهذا الإغفال يخلق تناقضاً فعلياً بين قانون الإعلام وقانون العقوبات، إذ تصبح الجرائم ذاتها مجرّمة بموجب نصوص جزائية في قانون العقوبات في حين تُعامل كقضايا مدنية بموجب قانون الإعلام، وهو ما يضرب الأسباب الموجبة للقانون ويخلق تضارباً لدى السلطة القضائية عند تطبيقه. لذلك، من الضروري إضافة هذه المواد الملغاة إلى لائحة الاستثناءات الواردة في الفقرتين الأولى والثانية من المادة 105، تفادياً لهذا التناقض.
استقلال الهيئة الوطنية للإعلام
أما الهيئة الوطنية للإعلام، فإن إنشاءها يشكل تطوراً إيجابياً، لكن استقلاليتها الحقيقية ستتوقف على آليات تشكيلها واختيار أعضائها وتمويلها وضمان عدم خضوعها للمحاصصة السياسية والطائفية. فالمطلوب هيئة مستقلة بالفعل، لا مجرد إضافة مؤسسة جديدة إلى مؤسسات الدولة الخاضعة لتوازنات القوى السياسية.
تعزيز شفافية الملكية والتمويل
كذلك، ينبغي تطوير أحكام الشفافية المتعلقة بملكية المؤسسات الإعلامية وتمويلها، بحيث لا تقتصر على الملكية القانونية المباشرة، بل تشمل الكشف عن المستفيد الاقتصادي الفعلي ومصادر التمويل الأساسية، بما يساعد الرأي العام على معرفة المصالح السياسية والاقتصادية التي قد تقف خلف المؤسسات الإعلامية.
البناء على الإصلاح واستكماله
إن إقرار قانون الإعلام الجديد يشكل خطوة إصلاحية مهمة ينبغي البناء عليها لا التقليل من شأنها. لكن إقرار القانون لا يعني انتهاء النقاش حوله. فالقوانين الحديثة، وخصوصاً تلك المرتبطة بالحريات الأساسية، تحتاج إلى مراجعة مستمرة في ضوء الممارسة والمعايير الدولية لحقوق الإنسان.
وعليه، فإن المطلوب اليوم هو استكمال هذا الإنجاز من خلال تعديلات محددة تضمن إزالة العقوبات السالبة للحرية في قضايا الرأي والنشر، وضبط الاستثناءات الجزائية بصورة دقيقة، وتوفير الحماية المتساوية لحرية التعبير، وضمان استقلال الهيئة الوطنية للإعلام، وتعزيز شفافية الملكية والتمويل.
حماية حق المجتمع في المعرفة
فالغاية من قانون إعلام حديث ليست حماية الإعلام وحده، بل حماية حق المجتمع في المعرفة، وحق المواطن في التعبير، وحق الصحافي في ممارسة دوره الرقابي من دون خوف، ضمن إطار واضح للمسؤولية والمساءلة واحترام حقوق الآخرين.