آخر التطورات
عد الى الخلف
السودان: الفضاء المدني تحت وطأة الحرب وتعدد سلطات الأمر الواقع
مقدمة
لا يزال الفضاء المدني في السودان يشهد تراجعاً مستمراً منذ اندلاع الحرب في 15 أبريل 2023، حيث أسهم النزاع المسلح في إضعاف مساحات العمل المدني وحرية التعبير والتجمع السلمي، مقابل اتساع هيمنة الفاعلين العسكريين على المجال العام. كما أدى تعدد سلطات الأمر الواقع إلى فرض قيود متزايدة على عمل منظمات المجتمع المدني والإعلام والنشطاء المدنيين، في ظل بيئة قانونية وإدارية مجزأة تفتقر إلى الضمانات الأساسية للحقوق والحريات.
حرية تكوين الجمعيات
يواجه المجتمع المدني السوداني تحديات متزايدة نتيجة تعدد الجهات المنظمة لعمل المنظمات الوطنية والدولية، تبعاً لتعدد مناطق السيطرة العسكرية داخل السودان. ففي الوقت الراهن توجد أربع سلطات تنظيمية مختلفة تشرف على العمل الإنساني والمدني، تشمل السلطات التابعة للحكومة السودانية في مناطق سيطرة القوات المسلحة، والسلطات التابعة لقوات الدعم السريع، إلى جانب جهات تنظيمية في مناطق سيطرة الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال، وحركة تحرير السودان.
وقد أدى هذا الواقع إلى خلق بيئة تنظيمية معقدة تفرض على المنظمات متطلبات وإجراءات مختلفة، مما يحد من قدرتها على تنفيذ أنشطتها بصورة متسقة في مختلف أنحاء البلاد.
وخلال فترة التقرير، استمرت السلطات المختلفة في اتخاذ إجراءات تنظيمية مقيدة شملت تعليق المشروعات، وتجميد الأنشطة، وفرض متطلبات تسجيل إضافية.
تجميد وإلغاء تراخيص المشروعات
أصدرت مفوضية العون الإنساني بالولاية الشمالية قراراً بتاريخ 26 يوليو 2026 بتجميد أنشطة مشروع دعم المجموعات والمبادرات الوطنية للاستجابة الطارئة الممول من منظمة السودان للتنمية الاجتماعية (سودو)، إلى جانب جميع الشركاء المنفذين للمشروع، دون الإعلان عن مبررات واضحة للقرار.
وفي المقابل، أعلنت الهيئة الوطنية للوصول الإنساني التابعة لحكومة "تأسيس" تمديد فترة تسجيل واعتماد المنظمات الوطنية والدولية حتى 13 يونيو 2026، ضمن حزمة من الإجراءات الجديدة الخاصة بتسجيل المنظمات وفتح مقارها في المناطق الخاضعة لسيطرتها.
ويثير هذا الإجراء مخاوف جدية بشأن حرية عمل المنظمات الوطنية، إذ إن اشتراط التسجيل لدى سلطات الأمر الواقع في تلك المناطق يضع المنظمات أمام التزامات متعارضة، في ظل رفض الحكومة السودانية الاعتراف بهذا التسجيل، الأمر الذي قد يعرض المنظمات لخطر فقدان قدرتها على العمل في مناطق سيطرة القوات المسلحة السودانية، ويؤدي عملياً إلى مزيد من تقييد العمل المدني والإنساني على المستوى الوطني.
حرية التعبير
استمرت الانتهاكات المرتبطة بحرية التعبير خلال فترة التقرير، سواء في مناطق سيطرة القوات المسلحة السودانية أو في المناطق الخاضعة لسيطرة قوات الدعم السريع، بما يعكس استمرار استهداف الصحفيين والإعلاميين والناشطين المدنيين.
ففي يوليو 2026، أصدرت النيابة العامة في المناطق الخاضعة لسيطرة القوات المسلحة أوامر قبض بحق 47 صحفياً سودانياً، كما نشرت إعلانات قانونية بحق 17 صحفياً باعتبارهم متهمين هاربين، وفقاً لما أعلنته مجموعة محامي الطوارئ ونقابة الصحفيين السودانيين.
وفي المقابل، أعربت نقابة الصحفيين السودانيين، في يوليو 2026، عن قلقها البالغ إزاء تدهور الحالة الصحية لثلاث صحفيات محتجزات لدى قوات الدعم السريع منذ فبراير 2026. وأوضحت النقابة أنها تلقت معلومات وصفتها بالمؤكدة والمقلقة تفيد بتدهور الحالة الصحية لكل من:
إشراقة عبد الرحمن، مقدمة برامج بإذاعة ولاية نيالا.
زهراء محمد الحسن، مراسلة إذاعية.
مواهب إبراهيم، مراسلة إذاعية.
وأشارت النقابة إلى أن الصحفيات، إلى جانب عدد من الناشطات المدنيات المحتجزات معهن، يواجهن ظروف احتجاز بالغة السوء تفتقر إلى الحد الأدنى من الرعاية الصحية، مع استمرار رفض السماح لهن بتلقي العلاج خارج مركز الاحتجاز رغم تدهور أوضاعهن الصحية. وبحسب بيان النقابة، فإن قوات الدعم السريع اعتقلت الصحفيات والناشطات في 28 فبراير 2026 عقب مشاركتهن في ورشة عمل نظمتها منظمات نسوية بمدينة نيالا حول حقوق المرأة، ولا يزلن رهن الاحتجاز دون توجيه تهم رسمية أو تقديمهن للمحاكمة.
وتشير هذه الوقائع إلى استمرار استخدام الاحتجاز والإجراءات الجنائية كوسائل لتقييد حرية التعبير والعمل الصحفي، بما يتعارض مع المعايير الدولية المتعلقة بحرية الرأي والتعبير وحماية الصحفيين.
الخلاصة
تكشف التطورات التي شهدها شهرا يونيو ويوليو 2026 عن استمرار تراجع أوضاع الفضاء المدني في السودان. فقد تواصلت القيود المفروضة على عمل منظمات المجتمع المدني نتيجة تعدد السلطات التنظيمية والإجراءات الإدارية المتعارضة، كما استمرت الانتهاكات بحق الصحفيين والإعلاميين في مناطق سيطرة مختلف أطراف النزاع، بينما ظلت حرية التجمع السلمي معطلة عملياً في ظل استمرار حالة الطوارئ والقيود الأمنية.