قمع النشطاء من قبل السلطات اللبنانية

على مدى العقدين الماضيين، حوّل النشاط السياسي على شبكة الانترنت الطريقة التي يتم بها تنظيم الاحتجاجات السياسية والحركات الاجتماعية. غالباً ما يُنظر إلى النشاط الرقمي على أنه شكل جديد من المشاركة السياسية يسمح لمجموعات كبيرة من الناس بالتفاعل والتعبئة بسهولة من أجل النشاطات السياسية. ومع ذلك، حذر بعض العلماء من وهم الإنترنت كمجال عام، حيث أن الدعم السريع المتنامي للتعبئة عبر الإنترنت يتبعه في كثير من الأحيان فك ارتباط أسرع بهذه القضايا. في لبنان، غالبًا ما تستخدم وسائل التواصل الاجتماعي من قبل الجهات الفاعلة في المجتمع المدني، مثل المنظمات غير الحكومية، والناشطين، والصحفيين، ولكن أيضًا الأفراد كوسيلة لنشر الأخبار أو التنديد أو زيادة الوعي حول القضايا، بالإضافة إلى التعبير عن الآراء السياسية.

تستخدم العديد من المنظمات غير الحكومية الحملات عبر الإنترنت كأسلوب عمل لحشد الداعمين لقضيتهم (راجع/ي خريطة الحراكات الجماعية في لبنان لمعرفة المزيد عن الحملة على الإنترنت هنا). وفي حين يعتبر الإنترنت أداة قوية لنشر المعلومات في وقت قصير، فقد حذر العديد من الخبراء من مشاكلها كأداة فعالة للنشاط السياسي، بالإضافة إلى المخاطر المتعلقة بها مثل التنمر والتحرش عبر الإنترنت، وسرقة المعلومات الشخصية، وغيرها من الجرائم الإلكترونية. في عام 2006، أنشأت قوى الأمن الداخلي مكتب مكافحة جرائم المعلوماتية وحماية الملكية الفكرية من أجل مكافحة الجرائم المعلوماتية وتعزيز الأمن عبر الإنترنت في لبنان. ومع ذلك، فقد أثار هذا المكتب الكثير من الإشكاليات منذ تأسيسه، ولا سيما في ما يتعلق بالتطبيق التعسفي لقانون عفا عليه الزمن من قانون العقوبات لعام 1943، الذي يجرم التشهير ضد الموظفين العموميين، أو الرئيس، أو العلم اللبناني، أو الشعار الوطني. وفي حين أن حرية التعبير وحرية الصحافة مكفولة من خلال الدساتير اللبنانية "ضمن الحدود التي ينص عليها القانون"، فإن قانون العقوبات غالباً ما يستخدم كمحاولة لإسكات الإنتقادات من خلال تجريم الأفراد على خلفية إلقاء النكات أو التعليقات الساخرة أو أي انتقادات تجاه مسؤولين حكوميين وشخصيات دينية.

على الرغم من أن هذه الممارسة كانت شائعة في السنوات الماضية، يبدو أن احتجاز الأفراد للتعبير عن رأي شخصي على وسائل التواصل الاجتماعي كان أكثر تكرارًا خلال الأشهر الماضية. في الواقع، تم تحديد ما لا يقل عن 9 من هذه الحوادث في غضون أربعة أشهر فقط بين مايو وأغسطس 2018. على سبيل المثال، في 20 يوليو، تم اعتقال الناشط الشاب شربل خوري من قبل مكتب الجرائم الإلكترونية لكتابة منشور زعم أنه يتعامل بلهجة ساخرة مع معجزة القديس شربل. بعد كتابة هذا المنشور، تعرض كل من شربل خوري وجوي سليم - التي تفاعلت مع منشور خوري على الفيسبوك - للإهانة والتخويف والمضايقة والتهديد عبر الإنترنت.

هذا الحادث بالذات يطرح تساؤلات كبيرة حول دور المكتب واستعداده لحماية المواطنين بشكل فعال ضد جرائم الإنترنت. في الواقع، بدلاً من متابعة المتحرشين، قام مكتب مكافحة الجرائم الالكترونية باحتجاز واستجواب سليم وخوري لساعات، مما يدل على أن المكتب يعمل أكثر كمؤسسة قمعية تعيق حرية التعبير على الإنترنت بدلاً من هيئة أمنية تحارب جرائم الإنترنت. وعلاوة على ذلك، لم يتم إطلاق سراح خوري إلا بعد التوقيع على تعهد بعدم التوجه إلى الدين في منشوراته وتم تعطيل حسابه على الفيسبوك لمدة شهر. وبدون أي أساس قانوني، يتم استخدام هذه التعهدات كتدبير تخويف من قبل السلطات من أجل امتناع الأفراد من أعمال معينة. وفي الواقع، أفاد العديد من الأفراد المحتجزين بتعرضهم للتهديد أو الاعتداء أو بمنعهم الاتصال بأي شخص، بما في ذلك محام، أثناء استجوابهم. ونتيجة لذلك، قد ينحني النشطاء المحتجزون لضغط السلطات وينتهي بهم المطاف بالتوقيع على تعهدات مقابل الإفراج عنهم، على الرغم من أن هذه الممارسات تشكل انتهاكًا للمادة 47 من القانون اللبناني للإجراءات الجزائية الذي ينص على حقوق الأشخاص المحتجزين، لا سيما الحق في التزام الصمت، والاتصال بأحد أفراد الأسرة أو محام.

 

بالإضافة إلى ذلك، تم إلغاء بعض الأنشطة التي تقوم بها منظمات غير حكومية محلية، مع احتجاز بعض المنظمين، كما هو الحال مع نشاطات بيروت برايد هذا العام. فقد تم اعتقال منظم الحدث في 15 مايو، خلال أمسية قراءة مسرحية نظمت كإحدى النشاطات التي كان من المفترض أن تستمر لأسبوع. وقد أطلق سراحه في اليوم التالي، بعد التوقيع على تعهد بتعليق جميع الأنشطة، التزاماً بحكم القاضي.

وفي الآونة الأخيرة، مارست الأجهزة الأمنية ضغطها على النشطاء لإلغاء مؤتمر إقليمي لمجتمع الميم ("nedwa") كانت تنظمه بشكل خاص المؤسسة العربية للحرية والمساواة.

ساهمت هذه الأحداث الأخيرة في توجيه النقاش حول مساحة وحدود حرية التعبير والتجمع، وأكدت على ضرورة وجود قانون معدّل يحدد بوضوح هاتين المسألتين، بحيث لا يتم استخدامه كوسيلة لقمع حرية التعبير تحت حجة ضمان الأمن عبر الإنترنت في نفس الوقت.

بشكل عام، تشكل هذه الممارسات والاعتقالات تهديدًا لحرية التعبير وتعكس تزايد ضيق المساحة المتاحة لحرية الكلمة في لبنان. ولذلك، كان المجتمع المدني ينشط تصدياً للتعدي على الحق بحرية التعبير. وقد أطلقت حملة عبر الإنترنت بعنوان "ضد القمع" من قبل عدة نشطاء ومنظمات غير حكومية من أجل التنديد بهذا "التراجع غير المسبوق في حرية التعبير بكافة أشكالها". وعلاوة على ذلك، فإن دعوة "لإدانة انتشار الإستدعاءات للناشطين السلميين من قبل السلطات اللبنانية بما يهدد حقهم بحرية التعبير"، تم توقيعها من قبل عدد من منظمات المجتمع المدني لتسليط الضوء حول انتهاكات الحق في حرية التعبير في لبنان.

كما تم تنظيم المظاهرات بشكل ملحوظ يومي 24 يوليو و 31 أغسطس للاحتجاج على هذه الاعتقالات التعسفية.

أخر التطورات

الجزائر: تطورات الفضاء المدني - مايو 2020
06/07/2020

الجزائر: تطورات الفضاء المدني - مايو 2020

تميز هذا الشهر بالإضافة لتداعيات وباء كورونا، تواصل قمع نشطاء المجتمع المدني والجمعيات المدنية، والصحفيين والمدونين. كما كشفت رئاسة الجمهورية في الجزائر عن مسودة الدستور الجديد.  

الجزائر إقرأ المزيد
المغرب: مشروع القانون 22ـ20: تكميم للأفواه
06/01/2020

المغرب: مشروع القانون 22ـ20: تكميم للأفواه

بينما كانت الجهود، بما فيها الحكومية، تتوجه لتطويق جائحة كورونا وتداعياتها، فوجئ الرأي العام الوطني بالمغرب بتقديم مشروع قانون في اجتماع حكومي قصد المصادقة عليه قبل احالته على البرلمان. ويهدف مشروع القانون إلى الى تقييد صارم في استعمال وسائل التواصل الاجتماعي من قبيل منع استعمالها في حملات المقاطعة.

المغرب إقرأ المزيد
المغرب: اعتقال الصحفي سليمان الريسوني وإحالته على القضاء
06/01/2020

المغرب: اعتقال الصحفي سليمان الريسوني وإحالته على القضاء

تعرّض رئيس تحرير يومية "أخبار اليوم"، مساء الجمعة 22 ماي 2020، من أمام بيته بالدار البيضاء، للاعتقال من أجل التحقيق معه بخصوص اتهام وجّه له من طرف النيابة العامة ب "هتك عرض بالعنف والاحتجاز".

المغرب إقرأ المزيد
الفضاء المدني في مصر - مستجدات شهر مايو 2020
06/01/2020

الفضاء المدني في مصر - مستجدات شهر مايو 2020

تأثر عمل منظمات المجتمع المدني خلال هذا الشهر بالعديد من المستجدات ومن ضمنها قرارات الحكومة المصرية (رئيس الوزراء) الخاصة بمواجهة فيروس كورونا المستجد كوفيد 19، بالإضافة الى تأجيل النظر في القضايا لصعوبة نقل المتهمين.

مصر إقرأ المزيد