البيئة القانونية بين مساحات المنجز وبين حدود الممارسات على الأرض

خَلُصَ كل من "الحوار الوطني للمجتمع المدني والأدوار الدستورية الجديدة" الذي دعت إليه الحكومة من جهة و المشاورات التي نظمتها "دينامية الرباط" والمشَكَّلة أساسا من منظمات المجتمع المدني من جهة ثانية، إلى ضرورة مراجعة عميقة للقانون المنظم للعمل الجمعوي بالمغرب؛ حيث تقدمت اللجنة الوطنية للحوار الوطني حول المجتمع المدني والادوار الدستورية الجديدة سنة 2015 بمسودة مشروع قانون جديد للجمعيات جاء في تقديمها ما يلي:  

  • " وجود عدة ثغرات و عوائق مرتبطة بالبيئة التشريعية والسياسية والتنظيمية غير الملائمة في كثير من جوانبها لحرية العمل الجمعوي؛  
  •  وجود عدد من ممارسات السلطات العمومية والمنتخبين الجماعيين تعيق حرية الجمعيات وتمس باستقلاليتها وخاصة على المستوى الحلي؛" 

والى حدود كتابة هذا الرصد لم تحظ المسودة بأية عناية تذكر سواء من طرف الحكومة أو من طرف الجهاز التشريعي ولا حتى متابعة من طرف اللجنة التي قدمتها ولا من طرف الجمعيات المعنية. 

وعلى الرغم من صدور القانون المتعلق بالحق في الحصول على المعلومات الذي أقره الدستور المغربي لسنة 2011، فإن منظمة ترنسبارنسي المغرب أبدت ملاحظاتها على هذا القانون والذي يتميز حسب هذه المنظمة بالطابع التراجعي لأنه يوسع دائرة الاستثناءات التي لا يشملها الحق في الوصول إلى المعلومات بشأنها، وهي الاستثناءات التي صيغت بصيغ ملتبسة تقيد هذا الحق، حيث يمنح هذا القانون للإدارة سلطات تقديرية واسعة، فضلا عن كونه يتغاضى عن ضرورة إحداث لجنة الإشراف على الحق في الحصول على المعلومات، وقد وصفت ذات المنظمة نفس القانون بأنه يشكل قطيعة مع المعايير الدولية المعتمدة في هذا الإطار. 

وعلى الرغم من هذه الانتقادات تمكن المغرب بفضل هذا القانون من استيفاء شروط الانضمام إلى مبادرة الشراكة من أجل الحكومة المنفتحة "OGP" ضمن 75 بلدا، و20 حكومة محلية، وشارك وفد مغربي من فعاليات حكومية وإعلامية ومدنية في القمة العالمية لمبادرة الشراكة من أجل الحكومة المنفتحة بتبليسي بجورجيا، من 17 إلى 19 يوليوز 2018. 

البيئة المؤسساتية لعمل الجمعيات بالمغرب  

من جانب آخر قامت الحكومة في غضون سنة 2018 بإصدار قانون آخر يتعلق بخلق المجلس الاستشاري للشباب والعمل الجمعوي وهو بدوره مؤسسة دستورية جديدة أقرها دستور 2011، تقوم بإبداء الرأي حول مشاريع الاستراتيجيات التي تعدها الدولة في مجال النهوض بأوضاع الشباب وتطوير العمل الجمعوي وحول جميع القضايا ومشاريع النصوص التشريعية والتنظيمية والبرامج المتعلقة بالشباب والعمل الجمعوي. وقد صاحب مناقشة مشروع القانون المؤسس لهذا المجلس نقاش بين مختلف مكونات الحركة الجمعوية وبين عدد من القطاعات الحكومية المعنية، تم على إثره اقتراح مقتضيات تهدف تمكين هذا المجلس من لعب دوره الاستشاري في تطوير الحركة الجمعوية والنهوض بقضايا الشباب. غير أن جل الملاحظات والمقترحات التي تقدمت بها الجمعيات لم يؤخذ بمعظمها أثناء صياغة مشروع القانون ولا خلال مناقشته من طرف البرلمان، وقد قامت مؤسسات أخرى دستورية أحيل عليها نفس المشروع لإبداء الرأي لم يؤخذ هي الأخرى بآرائها، ويتعلق الأمر برأي كل من المجلس الوطني لحقوق الإنسان والمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي والتي جاءت ملاحظاتهما لتزكي ملاحظات واقتراحات المجتمع المدني بضرورة تمتيع المجلس بالاستقلالية عن الإدارة واستبعاد عضوية الموظفين الحكوميين بالصفة أو أعضاء مؤسسات دستورية أخرى، على أن يركز عمل المجلس فقط على الشباب والعمل الجمعوي للشباب دون غيرها وعلى تحقيق المناصفة ضمن تركيبته وأن يقتصر تمويله على ميزانية الدولة واستبعاد التمويل الأجنبي لأن ذلك قد يعتبر مسا بسيادة الدولة واستقلالية مؤسساتها الدستورية. لكن الحكومة لم تأخذ بكل هذه الآراء والاقتراحات، وقامت بالمصادقة على قانون هذه المؤسسة التي يشعر معظم النشطاء المدنيون أنها لن تكون ذات قيمة مضافة لتطوير الحياة الجمعوية والنهوض بقضايا الشباب المغربي. وإلى حدود الان لازالت المؤسسة لم تر النور. 

 

 المشاركة والشراكة والتمويل العمومي 

لا تمر مناسبة او حدث دون التسطير على مبدأ المشاركة والديمقراطية التشاركية في خطاب كل الاجهزة الحكومية او المنتخبة وطنيا ومحليا، هذا الانطباع / الخطاب على أن عددا كبيرا من مؤسسات الدولة تحرص على إشراك المجتمع المدني، لا تعكسه الممارسة بالشكل المطلوب والتي تظل في الغالب الأعم مشاركة صورية لا تعتمد تمثيلية وفق مساطر شفافة ومفتوحة امام جميع منظمات المجتمع المدني، كما ان الاقتراحات والآراء المعبر عنها من طرف ممثليه خلال أو بعد المشاركة لا يتم الأخذ بها، مما يطرح علامات الاستفهام حول جدية و إرادة الدولة في تنفيذ وتفعيل عدد من المقتضيات الدستورية الجديدة التي تشجع وتصون حق المواطنين في صنع القرار المحلي والوطني من خلال مؤسسات الحكامة ومن خلال المجالس والهيئات المنتخبة، مما يجعل كل تطور في اتجاه إقرار ديمقراطية تشاركية ورشا مفتوحا في أجندة الجمعيات المغربية. 

و من بين الصور التي تترجم هذه المشاركة عبر تحويل العلاقة بين الدولة والجمعيات من علاقة صدامية إلى علاقة منتجة بناء على أهداف وغايات مشتركة، تعتمد الشراكة المؤطَّرة بمقتضى منشور الوزير الاول لسنة 2003 والذي أولى أهمية لمبادئ الشفافية وتقديم الحساب، وبغض النظر عن الاعتبارات المثلى الواردة في الخطاب حول الشراكات فالممارسة تُختزل غالبا في تأطير التمويل المقدم من طرف القطاعات الحكومية أو من طرف الاجهزة المنتخبة محليا. فقليلة هي الشراكات التي اعتمدت الندية والتحديد المشترك للأهداف، وعلى المساءلة المتبادلة، على اعتبار ان العرض التمويلي يكون مقرونا بعرض لبرامج ذات اولويات حكومية يقصد من خلالها تنفيذ برامج على الأرض من طرف الجمعيات الشريكة. 

وفي هذا الباب يمكن الإشارة إلى أهم مستجدات هذه السنة، والمتعلق باعتماد بوابة إلكترونية تحث اسم شراكة – انظر الرابط www.charaka-association.ma،  

من جهة ثانية ولتيسير المشاركة المواطنة على أساس المقتضيات الدستورية والقانون المنظم لتقديم العرائض والملتمسات، تم إطلاق، في أواخر يوليوز، البوابة الوطنية للمشاركة المواطنة  www.eparticipation.ma. وعلى الرغم من أهمية هذه الآلية، فمن وجهة نظر نشطاء المجتمع المدني، لا تحل التعقيدات التي جاء بها المشرع كالعدد المرتفع للموقعين وإجبارية تقديم نسخ البطائق الوطنية، وهو ما يزيد من التوجس حيال الخلفية الأمنية للبوابة والتخوف من عدم إقبال المواطنين على استعمالها. 

كما تم إطلاق وعلى نطاق أوسع البوابة الوطنية الموحدة للشكايات، والتي تهدف الى استقبال شكايات وتظلمات المواطنين وتأمين تتبعها والإجابة على رسائلهم وتقديم حلول لمشاكلهم وتلقي ملاحظاتهم واقتراحاتهم بهذا الصدد: www.chikaya.ma  

ولتسهيل المساطر ومواجهة التعقيدات الادارية وما يترتب عنها من فساد ورشوة عند الولوج الى الادارة العمومية لقضاء أغراض المواطنين، أَطلقت منصة أخرى تحث اسم "وثيقة" في مرحلة تجريبية محليا قبل تعميمها على مجموع جهات المغرب. 

و بخصوص التمويل العمومي المعتمد لدعم الشراكات مع الجمعيات فالملاحظ تزايد اللجوء الى الاعلان عن العروض المقدمة لصالح الجمعيات حسب القطاعات الحكومية. الامر نفسه لوحظ في بعض الوحدات الترابية محليا، وبشكل عام سجل تدبير ايجابي في تنظيم هذه العملية1. 

و في 18 يوليوز 2018 قامت المندوبية الوزارية المكلفة بحقوق الإنسان بتوقيع 31 اتفاقية شراكة بينها وبين عدد من جمعيات المجتمع المدني بدعم مالي قدر ب 3.5 مليون درهم وبناء على مشاريع قدمتها هذه الجمعيات تهم المحاور التالية:  

  • إسهام جمعيات المجتمع المدني في التعريف بمضامين خطة العمل الوطنية في مجال الديمقراطية وحقوق الإنسان داخل النسيج الجمعوي الجهوي والمحلي وتقوية قدرات الفاعلين، 
  • إطلاق مبادرات ومشاريع تهم النهوض بالحقوق الإنسانية للنساء والحقوق الفئوية، 
  • الاسهام في تفعيل المحور الأول للخطة  
  • الارتقاء بأداء الإعلاميين والصحافيين في تناول قضايا حقوق الإنسان. 

 

أخر التطورات

الجزائر: تطورات الفضاء المدني - مايو 2020
06/07/2020

الجزائر: تطورات الفضاء المدني - مايو 2020

تميز هذا الشهر بالإضافة لتداعيات وباء كورونا، تواصل قمع نشطاء المجتمع المدني والجمعيات المدنية، والصحفيين والمدونين. كما كشفت رئاسة الجمهورية في الجزائر عن مسودة الدستور الجديد.  

الجزائر إقرأ المزيد
المغرب: مشروع القانون 22ـ20: تكميم للأفواه
06/01/2020

المغرب: مشروع القانون 22ـ20: تكميم للأفواه

بينما كانت الجهود، بما فيها الحكومية، تتوجه لتطويق جائحة كورونا وتداعياتها، فوجئ الرأي العام الوطني بالمغرب بتقديم مشروع قانون في اجتماع حكومي قصد المصادقة عليه قبل احالته على البرلمان. ويهدف مشروع القانون إلى الى تقييد صارم في استعمال وسائل التواصل الاجتماعي من قبيل منع استعمالها في حملات المقاطعة.

المغرب إقرأ المزيد
المغرب: اعتقال الصحفي سليمان الريسوني وإحالته على القضاء
06/01/2020

المغرب: اعتقال الصحفي سليمان الريسوني وإحالته على القضاء

تعرّض رئيس تحرير يومية "أخبار اليوم"، مساء الجمعة 22 ماي 2020، من أمام بيته بالدار البيضاء، للاعتقال من أجل التحقيق معه بخصوص اتهام وجّه له من طرف النيابة العامة ب "هتك عرض بالعنف والاحتجاز".

المغرب إقرأ المزيد
الفضاء المدني في مصر - مستجدات شهر مايو 2020
06/01/2020

الفضاء المدني في مصر - مستجدات شهر مايو 2020

تأثر عمل منظمات المجتمع المدني خلال هذا الشهر بالعديد من المستجدات ومن ضمنها قرارات الحكومة المصرية (رئيس الوزراء) الخاصة بمواجهة فيروس كورونا المستجد كوفيد 19، بالإضافة الى تأجيل النظر في القضايا لصعوبة نقل المتهمين.

مصر إقرأ المزيد