بيئة سياسية محتقنة لكنها مستقرة مقارنة بدول المنطقة العربية

 امتداد الاحتجاجات من الريف إلى مناطق أخرى ثم إلى المقاطعة الاقتصادية  

مع بداية "حراك الريف" وامتداد الاحتجاج الشعبي ليشمل مناطق أخرى شرق المغرب تزايد الوضع الاجتماعي احتقانا وتواصل التضييق على النشطاء الميدانيين لهذا الحراك وعلى عدد من النشطاء المدنيين المنتمين للجمعيات الحقوقية، كما تواصل صمت أغلب الأحزاب السياسية بل ومساندة البعض منها للقبضة الأمنية للدولة على مناطق هذا الحراك، مما زاد في تراجع منسوب الثقة في الطبقة السياسية و في تعطيل قنوات الوساطة بين المواطنين والمواطنات وبين مؤسسات الدولة. 

وانطلاقا من شهر مايو/أيار 2018، تأجج الاحتقان الاجتماعي بعد إطلاق حملة واسعة، عبر منصات التواصل الاجتماعي، لمقاطعة بعض السلع الاستهلاكية وبعض الشركات، و أجج التفاعل السلبي من طرف الحكومة وبعض الفاعلين الاقتصاديين مع هذه الحملة، سواء بالتجاهل أو بتوجيه اللوم إلى رواد هذه المنصات ونعتهم بنعوت قدحية إلى حد التشكيك في وطنية المنخرطين فيها من طرف أحد مسؤولي الشركات المستهدفة بحملة المقاطعة، مما زاد من إصرار المقاطعين لإنجاح هذه الحملة غير المسبوقة في المغرب. 

 وقد انتقل تأثير هذه الحملة إلى الائتلاف الحكومي، حيث تم تبادل الاتهامات بين أعضاء الحكومة، خاصة بين حزب العدالة والتنمية الذي يترأس الحكومة وبين حزب التجمع الوطني للأحرار ثاني الأحزاب التي تتألف منها الحكومة، حول الجهة التي تقف وراء استمرار هذه المقاطعة، خصوصا وأن رئيس الحزب الحليف للعدالة والتنمية هو نفسه مالك واحدة من الشركات التي تتعرض منتجاتها للمقاطعة وهي من كبريات شركات توزيع المحروقات بالمغرب. وقد خلفت حملة المقاطعة أثرا سلبيا على سمعة الشركات المستهدفة (شركة إفريقيا لتوزيع المحروقات – شركة أولماس للمياه المعدنية التي تملكها رئيسة اتحاد المقاولات بالمغرب – شركة سنطرال دانون للحليب ومشتقاته) وعلى مبيعات منتجاتها. 

ومن الوسائل التي التجأت إليها إحدى الشركات للضغط على المقاطعين وعلى الحكومة من أجل كسر شوكة حملة المقاطعة هذه، قيامها بفك الارتباط بعدد كبير من تعاونيات إنتاج الحليب المشكلة في الغالب من صغار ومتوسطي مربي الأبقار الحلوبة، وتسريح عدد كبير من العمال المناولين، غير أن ذلك لم يزد المقاطعين إلا إصرارا، الأمر الذي دفع بمدير الشركة الفرنسية إلى تقديم الاعتذار والوعد بإمكانية مراجعة الأسعار التي تتبعها شركته بالمغرب. ولا زال المقاطعون ينتظرون الوفاء بهذا الوعد من قبل الشركات ومن قبل الحكومة، للنظر في كلفة المعيشة التي لم يعد باستطاعة عدد كبير من المغاربة تحمل ارتفاعها في غياب عدالة أجرية تساعد الناس على مواجهة متطلبات الحياة اليومية من تغذية وتمدرس وتطبيب وتنقل وسكن وترفيه.  

عودة الاعتقالات والأحكام السياسية: رِدَّة في المسار الحقوقي المغربي 

صدم الرأي العام المغربي بإصدار أحكام قاسية جدا في حق معتقلي حراك الريف والتي بلغت 20 سنة في حق بعض المعتقلين و250 سنة كمجموع لهذه الأحكام، والتي تلقاها الشارع المغربي بغضب واستياء، دفعت عددا من الإطارات السياسية والنقابية والمدنية إلى الدعوة للنزول إلى الشارع للاحتجاج عليها، حيث تم تنظيم عدد من المسيرات الاحتجاجية للمطالبة بالإفراج على جميع المعتقلين، كانت كبراها تلك التي نظمت بمدينة الدار البيضاء والثانية بالعاصمة الرباط، والتي عرفت مشاركة كثيفة للمواطنين القادمين من عدة مدن وقرى وخاصة من مناطق التوتر الاجتماعي بشرق وشمال المغرب. 

ملامح دخول اجتماعي قد يزداد توترا في غياب انفراج سياسي عاجل  

وما يزيد من حدة الغليان الشعبي اقتراب مواعيد اجتماعية – كعيد الأضحى والعطلة الصيفية والدخول المدرسي – والتي تتسم بمزيد من الضغط على القدرة الشرائية للمواطنين خاصة أصحاب المداخيل والأجور الصغيرة من عمال وموظفين مما ينبئ بأن الأوضاع لن تزيد إلا سوءا في الأيام القليلة المقبلة. 

بالموازاة مع هذه القضايا، يتأجج النقاش بسبب الجدال الدائر حاليا حول إصلاح نظام تقاعد البرلمانيين الذي أصبح نظاما مفلسا، ويشكل عبئا على ميزانية الدولة وهو ما دفع عددا من القوى السياسية والنقابية والمدنية ورواد مواقع التواصل الاجتماعي للمطالبة بحذف هذا التقاعد لأنه في نظرهم يعتبر ريعا غير مقبول الاستمرار في تحمله من طرف دافعي الضرائب لفائدة طبقة سياسية تبين مع مرور الوقت أنها لم تساعد في تحسين الأوضاع الاجتماعية للناس ولم تنفذ على مدى عقود من الزمن، ما كانت تعد به خلال كل حملة انتخابية، خصوصا وعودها بمحاربة الفساد والترشيد، واعتبارا أيضا لأن ما يقوم به البرلمانيون ليس عملا أو مهنة قارة تستدعي الاستفادة من أجر، بل هو انتداب سياسي خلال ولاية تشريعية محددة في الزمان يتلقى عليها البرلماني تعويضا ماليا وتسهيلات عينية للقيام بهذه المهمة، ليرجع بعد انتهاء مدة انتدابه إلى نشاطه المهني الأصلي.  

مشروعية المطالب تعززها التقارير الرسمية لمؤسسات الرقابة 

وفي مقابل هذه الأجواء المشحونة، واصل المجلس الأعلى للحسابات، إصدار ونشر تقارير حول عدد كبير من القطاعات الحكومية والمؤسسات العمومية التابعة للدولة و حول عدد آخر من البلديات، تشير أغلبها إلى وجود اختلالات وأخطاء في التدبير المالي والإداري لهذه المؤسسات وتسجيل شبهات بالفساد واستغلال النفوذ، وكثيرا ما سجل هذا المجلس غياب الفعالية والنجاعة على هذه المؤسسات في القيام بمهامها وفي تقديم خدماتها للمواطنين، ولعل أبرزها الشروع في التحقيق في صرف الأموال الكبيرة التي صرفت على ما يعرف بالبرنامج الاستعجالي لإصلاح التعليم بالمغرب ما بين سنة 2009 وسنة 2012 والذي خصص له مبلغ 33 مليار درهم مغربي (حولي 3 مليارات ونصف المليار دولار) وهو البرنامج الذي أثار غضبا كبيرا بين جميع المتتبعين لأزمة التعليم بالمغرب، لكون هذا البرنامج لم يحقق ما كان منتظرا منه، بسبب سوء التدبير وغياب الإدارة الرشيدة لهذا البرنامج، وهناك عدد من الملفات التي صدرت بشأنها تقارير للمجلس الأعلى للحسابات التي تمت إحالتها على القضاء للتحقيق فيها والبث بشأنها، على الرغم من توجس الرأي العام من طول المساطر المتعلقة بمتابعة المتورطين في هذه الملفات، وأثرها في تحسن مؤشرات التدبير وإعادة الثقة في نجاعة المرافق العمومية والثقة في المشرفين على تدبيرها. 

 التجاهل والتشكيك والاتهام بدل التجاوب والاستجابة 

في ظل هذا الاحتقان الاجتماعي المتعدد الأوجه، وبدل إيجاد الحلول الحقيقية من قبل الدولة للمطالب الاجتماعية المشروعة للناس، أمعنت أجهزة الدولة في اللجوء لأسلوب التخويف، خاصة اتجاه نشطاء المجتمع المدني من حقوقيين ونقابيين وصحفيين، فعلى سبيل المثال لجأ وزير الداخلية في الحكومية المغربية إلى التشكيك في وطنية مناضلي الجمعية المغربية لحقوق الإنسان أمام مجلس النواب المغربي، والتلويح بسحب صفة المنفعة العامة عن هذه الجمعية وعن جمعيات أخرى واتهامها بكونها تقف وراء تأجيج الوضع الاجتماعي، كما تم وفي أكثر من منطقة بالمغرب، منع هذه الجمعية من ولوج الفضاءات العمومية ومنع أنشطتها،  

وتواصل هذا التضييق على هذه الجمعية بعدما اتهمتها سابقا نفس الوزارة بخدمة أجندات أجنبية كما فعلت نفس الشيء مع ʺجمعية الحرية الآن ʺ التي لا زال رئيسها رفقة صحفيين ونشطاء مدنيين آخرين متابعين أمام القضاء المغربي بتهمة الحصول على تمويلات خارجية لخدمة أجندات أجنبية، وهي التهم التي يفندها جميع النشطاء، معتبرين إياها تخويفا ومضايقة للعمل الحقوقي وإخراسا للأصوات التي تدافع عن حق المواطنين في التعبير عن آرائهم وحقهم في الاحتجاج والتظاهر. 

كما منعت الحكومة المغربية تنظيم ندوة دولية خلال شهر يونيو / حزيران الأخير حول الحريات الفردية دعت إلى تنظيمها بمدينة الدار البيضاء ʺمجموعة الديمقراطية والحرياتʺ، وهو المنع الذي اعتبره عدد كبير من النشطاء الحقوقيين بالانتكاسة إلى الوراء في مجال الحقوق والحريات. 

أخر التطورات

الفضاء المدني في السودان - مايو 2020
05/18/2020

الفضاء المدني في السودان - مايو 2020

رغم الظروف الصحية الطارئة واعلان الحظر الشامل في العاصمة الخرطوم، الا ان الفضاء المدني يتسم بالحراك الايجابي رغم بعض الظواهر السلبية في ظل توازن القوى بين مكونات الحراك الثوري والقوى المضادة للثورة خاصة المؤسسات العسكرية والأمنية.  

السودان إقرأ المزيد
تظاهرات العراق: التحديات والتوجهات القادمة
05/15/2020

تظاهرات العراق: التحديات والتوجهات القادمة

الحركة الاحتجاجية في العراق تجدد مطالب المساءلة في أول جلسة إحاطة عبر الانترنت: ناشطون ومدافعون عن حقوق الإنسان يطالبون الحكومة الجديدة بدعم التحقيقات في الانتهاكات التي استهدفت المتظاهرين. نسقت جمعية الأمل العراقية بالتعاون مع منظمة امبيونتي واتش ومعهد صحافة الحرب والسلام اليوم هذه الجلسة التي انضم اليها متحدثون من خمس محافظات، ألا وهي ذي قار، وبغداد، والنجف، والبصرة، والديوانية، عرضوا خلالها مختلف الانتهاكات التي تعرض لها العراقيون في حركة الإحتجاج التي انطلقت منذ أكتوبر 2019.

وقد كتب هذا الملخص بناء على العروض التي قدمت خلال الجلسة.

العراق إقرأ المزيد
بيئة عمل المجتمع المدني في مصر - أبريل 2020
05/01/2020

بيئة عمل المجتمع المدني في مصر - أبريل 2020

استمرت تعليمات وإجراءات مجلس الوزراء الاحترازية للتصدي لفيروس كورونا وهو ما يؤثر بالفعل على كافة قطاعات الدولة وخصوصا عمل منظمات المجتمع المدني. وهو ما انعكس بوضوح على أنشطة المجتمع المدني ما بين خيري لدعم الفئات المتضررة من هذا الإغلاق، او صحي والذي ركز على توفير مستلزمات أولية مثل القفزات والكمامات سواء لتوزيعها على المواطنين أو تقديمها للفرق الطبية.

كما كان لهذا الإغلاق أثر واضح على تعطل في الإجراءات الخاصة بالموافقات على مشروعات المجتمع المدني حتى التي تعمل بالتعاون مع الحكومة. رغم ذلك الإغلاق لم تنسى الحكومة في 28 من أبريل 2020 من تم تجديد حالة الطوارئ لمدة ثلاثة أشهر وفقا القرار رقم 168 لسنة 2020 المنشور في الجريدة الرسمية.

مصر إقرأ المزيد
الفضاء المدني في الجزائر - تقرير أبريل 2020
04/30/2020

الفضاء المدني في الجزائر - تقرير أبريل 2020

بالإضافة الى تداعيات وباء كورونا، تشهد الجزائر استمرار قمع النشطاء انتقاماً من المشاركين في الاحتجاجات، وتطورات جديدة في قضية التضييق على الصحافة الحرة.

الجزائر إقرأ المزيد