تظاهرات العراق: التحديات والتوجهات القادمة

 

الحركة الاحتجاجية في العراق تجدد مطالب المساءلة في أول جلسة إحاطة عبر الانترنت: ناشطون ومدافعون عن حقوق الإنسان يطالبون الحكومة الجديدة بدعم التحقيقات في الانتهاكات التي استهدفت المتظاهرين.

نسقت جمعية الأمل العراقية بالتعاون مع منظمة امبيونتي واتش ومعهد صحافة الحرب والسلام اليوم هذه الجلسة التي انضم اليها متحدثون من خمس محافظات، ألا وهي ذي قار، وبغداد، والنجف، والبصرة، والديوانية، عرضوا خلالها مختلف الانتهاكات التي تعرض لها العراقيون في حركة الإحتجاج التي انطلقت منذ أكتوبر 2019.

وقد كتب هذا الملخص بناء على العروض التي قدمت خلال الجلسة.

 

الانتهاكات بحق المتظاهرين في العراق

منذ أن خرج العراقيون في أكتوبر 2019 مطالبين بإسقاط نظام المحاصصة الطائفية والحزبية، جوبهوا بالقمع الشديد وبميليشيات تابعة للسلطة أو متماهية معها وتحمل السلاح خارج إطار الدولة. هذه الميليشيات سميت من قبل الحكومة بالطرف الثالث، كما اعتمدت هذه التسمية من قبل الأمم المتحدة. وقد شملت هذه الانتهاكات عمليتا اغتيال تجري في وضح النهار ضد الناشطين المدنيين دون أي تدخل او تحقيق من الحكومة، وما حدث في الناصرية هو أحد الأمثلة. كان آخر هذه العمليات اغتيال أحد المحامين المؤيدين للاحتجاجات استهدافا امام المحكمة المركزية بأسلحة كاتمة للصوت وآليات ذات العجلات رباعية الدفع. وقد كان ذلك امام أعين القوى الأمنية. كما اغتيل الناشط أزهر الشمري بنفس الطريقة عند خروجه من ساحة الإحتجاج في ظل تواجد القوى الأمنية الكثيف لتطبيق إجراءات الحجر الصحي والعزل. كما شملت الانتهاكات الاختطاف والتغييب القسري. هناك العديد من الناشطين غير المعروف مصيرهم، آخرهم علي جاسم، الذي أكدت الحكومة لأبيه أن ابنه موجود في سجون احدى الميليشيات. كما تعرض الكثير من الناشطين للتعذيب والإرهاب قبل إعادة إطلاق سراحهم، وللإستهداف بعبوات ناسفة، وأغلبهم طاله التهديد والوعيد. هذا بالإضافة الى القمع الجماعي، فالجميع شاهد على قمع الميليشيات واستخدام الرصاص الحي والقناص امام مكاتب الأحزاب، اخرها ثار الله.

إن المظاهرات التي بدأت في أكتوبر، والتي انطلقت من مطالب معينة، تطورت اليوم ليصبح شعارها "نريد وطن". وخلال هذه المظاهرات شوهد انتشار قناصين على المباني المرتفعة في بغداد والمحافظات، كانوا يستهدفون المتظاهرين. تم إنشاء لجان تحقيقية بعد الضغط من الجهات الدولية والمرجعيات، وقد اقرت بتبعية بعضها لجهات حكومية سابقة، منها مثلا ما هو تابع لمكتب رئيس الوزراء السابق عادل عبد المهدي. كما تم استخدام القنابل المسيلة للدموع من العيار الثقيل، والتي تزن حوالي 200-250 غم، كانت توجه بشكل مباشر الى رؤوس المتظاهرين وتؤدي الى قتلهم أحيانا. كما استخدمت بنادق صيد الحيوانات الضخمة التي وجهت بشكل عشوائي الى المتظاهرين. وقد اعتمدت القوى الأمنية أسلوب الاقتحام: أي تدخل قوات امنية تحت وابل كبير من الرصاص الى خيم المعتصمين، وقد خلف ذلك العشرات من الشهداء ومئات الجرحى في مختلف مناطق العراق. وقد قامت قوات الصدمة في البصرة بعمل مشابه. كما كان هناك تواجد للقوى الأمنية في المستشفيات حيث كانت تقوم باعتقال الجرحى لا سيما من الاختناق. كما تعرضت مقرات الفضائيات الى الهجوم وتحطيم مكاتبها وأجهزتها وتم اغلاق بعضها بقرارات حكومية. 

ومنذ انطلاق الاحتجاجات، كان هناك اعتقال للمئات في المحافظات دون أي قرارات قضائية ودون وجه حق. سوء المعاملة كانت تصاحب الاعتقال، ومن ضمنها الضرب والسب والقذف واقتياد المعتقلين بشكل مهين الى مراكز امنية. كما ترافق بعض الاعتقالات مع التعذيب وأحيانا الاغتصاب لانتزاع الاعترافات. واستخدمت الدعاوى الكيدية لقمع المتظاهرين واتهامهم بالتبعية لجهات خارجية

النجف تعرضت لمجازر ثلاث مرات: بداية في أكتوبر 2019 ثم عند مرقد الحكيم ثم في ساحة الصدر. هذه المجازر أيضا تركت عشرات الشهداء ومئات الجرحى. الأجهزة الأمنية كانت موجودة ولم تتحرك، ولا زال لم يفتح أي تحقيق في الموضوع، رغم وجود الصور والفيديوهات التي توثق الحادثة. كما أن هؤلاء المعتدين في النجف ليسوا من الأجهزة الأمنية.

 

مشاركة الطلبة والنقابات تبلور الوعي

دور النقابات كان عظيم، ومشاركتها زادت وتنظمت بعد نصب الخيم وإطلاق المسيرات الحاشدة والإضرابات. كما أن المحامين كان لهم دور مهم في المحاكم. مشاركة المعلمين كانت أيضا من اهم أسباب النجاح وصمود الساحات، وذلك من خلال نشر فكر الانتفاضة وتعطيل الدوام الرسمي وإتاحة مشاركة الطلاب. فمشاركة الطلاب كانت عصب وشريان الانتفاضة، من خلال التواجد المستمر والمحافظة على زخم الساحات ودعمها بالمسيرات الحاشدة على الرغم من المخاطر التي تعرضوا لها، ومن خلال تميزهم بالهتافات والشعارات الجريئة. كما تنظم الاطلاب في خيم مركزية وتنسيقيات. 

 

الحراك في ظل أزمة الكورونا

وإن كنا نشهد خلو بعض الساحات اليوم بسبب الالتزام بإجراءات الحجر، فإن بعض المحتجين لا زالوا صامدين في الساحات مع التزامهم بإجراءات الوقاية وتطبيقهم الارشادات بوعي. كما أن العديد من النشاطات انتقلت الى خارج الساحة خاصة من أجل دعم الاسر الفقيرة ونشر الارشادات الصحية. وتجدر الإشارة الى أن وزير الصحة السابق شكر المتظاهرين والمعتصمين لمبادراتهم في أكثر من مناسبة. بعد رفع الحظر الجزئي عاد المعتصمون، خاصة للمطالبة بقانون انتخابات جديد وبالمحاسبة وإجراء انتخابات. وهذه المطالب التي أجلتها الحكومة الجديدة.

 

الأبعاد الجندرية للإنتفاضة

وقد تطرقت الجلسة الى مشاركة المرأة العراقية المتميزة في التظاهرات. إن المرأة العراقية أبهرت العالم والمجتمع العراقي بشكل خاص. فواقع المرأة قبل الانتفاضة تغير كليا عمّا قبلها، إذ كسرت الصورة النمطية للمرأة من خلال مشاركتها في الانتفاضة، حيث دافعت عن مطالب سياسية ووطنية بالإضافة الى قضايا نسوية، كالحق بمراكز القرار ونسبة تمثيل وعدم الاقصاء من أماكن العمل والقضاء على اشكال التمييز وإقرار القوانين التي تحميها وتنهي الانتهاكات بحقها. ساحات الاحتجاج لم تعد حكرا للرجال، وأصبح يتخللها مطالب نسوية. ومن أهم المسيرات النسوية التي أقيمت في العراق مسيرة 13 شباط التي شملت اغلب المحافظات الجنوبية والوسط وتحدت التقاليد العشائرية وتميزت بتنظيم شبابي نسوي عالي، بالإضافة الى مسيرة يوم المرأة العالمي مع المتظاهرين والثوار. كما كان للمرأة دور في نبذ العنف والمطالبة بالمشاركة في السلام وسن القوانين ضد العنف. ومن أهم الشعارات التي استخدمتها النساء: "بناتك يا وطن" "وصوتي ثورة وحقي وطن". كما كانت المرأة هي المسعفة والمدافعة والداعمة لوجستيا. عززت المشاركة النسوية في الانتفاضة المسؤولية السياسية للنساء بالمطالبة بحقوقهن، وكرست المرأة كشريكة النضال. وكانت الطالبات والخريجات والناشطات والعاطلات عن العمل وعوائل الشهداء من المشاركات بكثافة في التظاهرات.

وقد استخدمت الميليشيات والقوى الأمنية مختلف الطرق لإبعاد النساء عن الساحات، منها إطلاق الاشاعات حول التحرش لإخافتهن، وقد نجح ذلك في إبعاد بعضهن في حين استمرت أخريات في التوجه الى الساحات. وقد تعرضت النساء أيضا للضرب والتهديد والإهانة وإجبارهن على التوقيع على أوراق تعهد بعدم العودة الى الساحات. وقد قدمت المرأة العراقية الكثير من الشهيدات والمعتقلات. وتجدر الإشارة الى أن حكومة الكاظمي حتى الآن لم تنصف المرأة، خاصة في تشكيل الحكومة، التي تعاني من تواجد نسائي ضعيف.

 

الحكومة أمام تحدي التحقيق والمحاسبة

رئيس الوزراء الكاظمي اليوم مطالب بتنفيذ وعوده في احقاق العدالة وفتح تحقيق ومحاسبة المجرمين. إن رئيس الوزراء الحالي شكل لجنة تحقيقية لحالات الاغتيال لكنها لا زالت تقوم بالتسويف ولا تقوم بعملها كما يجب. وقد اقترح خلال الجلسة الافتراضية إقامة لجان جديدة للتحقيق. كما طرحت إقالة المحافظين ونوابهم وتسليمها الى المجلس القضائي، إلا أن القضاة واللجان المسؤولة حتى الآن ليست جدية وتعاني من التدخلات الحزبية.

ان التزامات الحكومة الدولية تحتم عليها احترام الحقوق والحريات. إلا أن الكبت والقمع والانتهاكات وصولا الى التصفيات الجسدية أصبحت امراً واقعاً. إن فقدان الثقة بالحكومة وإجراءاتها ينبع من تاريخ طويل من التجارب الفاشلة والقمعية. وهذه الحكومة جاءت تحمل عبء الحكومات السابقة. إذ لا يوجد تحقيقات جدية وفاعلة اليوم في أي من الانتهاكات التي سبق ذكرها. إن الانتهاكات بحق المحتجين من العراقيين الذين نزلوا تحت شعارات "نازل آخد حقي" "ونريد وطن" خلفت 5000 إعاقة بدرجة ما، و800 شهيد و25000 جريح حتى الآن.

لذلك تم التأكيد أكثر من مرة على أهمية المساءلة والمحاسبة عن الانتهاكات. وهو الخطوة الأولى في بناء دولة وطنية تنتمي الى جميع المكونات وحصر السلاح بيد الدولة. كما تم التأكيد على ضرورة اشراك المتظاهرين في عملية المحاسبة. وفي هذا السياق، للمجتمع المدني مسؤولية كبيرة في ممارسة دوره الرقابي على التزامات الحكومة.

 

الخلاصة

حث المتحدثون خلال الفعالية التي حملت العنوان “تظاهرات العراق: التحديات والاتجاهات القادمة،” رئيس الوزراء العراقي الجديد مصطفى الكاظمي على إعادة إحياء اللجان التحقيقية للنظر في الانتهاكات بحق المتظاهرين منذ تشرين الأول من العام الماضي، بما في ذلك الاختطافات، والاغتيالات، والاعتقالات التعسفية وسوء المعاملة والتعذيب في السجون الرسمية وغير الرسمية على يدين القوات الحكومية وميليشيات مسلحة تابعة لأحزاب سياسية معروفة، بالإضافة إلى تعويض عوائل الشهداء والجرحى والمتضررين من الاستعمال المفرط للقوة والعنف خلال قمع التظاهرات.

طالبت المجموعة أيضاً بتشكيل لجان تحقيق جديدة مشهود لها بالنزاهة والحيادية وإشراك منظمات المجتمع المدني في عملها للنظر في هذه الجملة من الانتهاكات — الكثير منها مستمرة حتى اليوم، وأبرزها عمليات الاغتيال واختطاف المتظاهرين والناشطين المعروفين بتنظيم التظاهرات بشكل علني وحتى في ساحات الاحتجاج. بالإضافة، ناشدت المجموعة مجلس حقوق الإنسان التابع الأمم المتحدة التصويت خلال جلسته القادمة على قرار يؤسس لهيئة تحقيق مستقلة تدعم جهود المساءلة والمحاسبة في العراق.

كما أكد المتحدثون على أهمية استعجال الحكومة في إعطاء الأولوية لأجندة إصلاح جذري تأخذ بعين الاعتبار مطالب المتظاهرين ودعمها لجهودهم في إنهاء المحاصصة والفساد وعدم الاستهانة والاستخفاف بهذه المطالب، التي من أهمها حل البرلمان وإجراء انتخابات مبكرة.

أخر التطورات

لبنان: حالة طوارئ عسكرية وتزايد العنف ضد المتظاهرين
08/13/2020

لبنان: حالة طوارئ عسكرية وتزايد العنف ضد المتظاهرين

البرلمان اللبناني يعلن حالة الطوارئ عقب الانفجار، وسط تخوفات من استخدامه في الحد من حرية التعبير والتجمع وزيادة العنف ضد المتظاهرين. 

لبنان إقرأ المزيد
الجزائر: تطورات الفضاء المدني - مايو 2020
06/07/2020

الجزائر: تطورات الفضاء المدني - مايو 2020

تميز هذا الشهر بالإضافة لتداعيات وباء كورونا، تواصل قمع نشطاء المجتمع المدني والجمعيات المدنية، والصحفيين والمدونين. كما كشفت رئاسة الجمهورية في الجزائر عن مسودة الدستور الجديد.  

الجزائر إقرأ المزيد
المغرب: مشروع القانون 22ـ20: تكميم للأفواه
06/01/2020

المغرب: مشروع القانون 22ـ20: تكميم للأفواه

بينما كانت الجهود، بما فيها الحكومية، تتوجه لتطويق جائحة كورونا وتداعياتها، فوجئ الرأي العام الوطني بالمغرب بتقديم مشروع قانون في اجتماع حكومي قصد المصادقة عليه قبل احالته على البرلمان. ويهدف مشروع القانون إلى الى تقييد صارم في استعمال وسائل التواصل الاجتماعي من قبيل منع استعمالها في حملات المقاطعة.

المغرب إقرأ المزيد
المغرب: اعتقال الصحفي سليمان الريسوني وإحالته على القضاء
06/01/2020

المغرب: اعتقال الصحفي سليمان الريسوني وإحالته على القضاء

تعرّض رئيس تحرير يومية "أخبار اليوم"، مساء الجمعة 22 ماي 2020، من أمام بيته بالدار البيضاء، للاعتقال من أجل التحقيق معه بخصوص اتهام وجّه له من طرف النيابة العامة ب "هتك عرض بالعنف والاحتجاز".

المغرب إقرأ المزيد